ابن رشد
242
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الحوالة والحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدين بالدين ، لقوله عليه الصلاة والسلام : مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على غني فليستحل . والنظر في شروطها وفي حكمها ، فمن الشروط اختلافهم في اعتبار رضا المحال والمحال عليه ، فمن الناس من اعتبر رضا المحال ولم يعتبر رضا المحال عليه ، وهو مالك ، ومن الناس من اعتبر رضاهما معا ، ومن الناس من لم يعتبر رضا المحال واعتبر رضا المحال عليه ، وهو نقيض مذهب مالك ، وبه قال داود ، فمن رأى أنها معاملة اعتبر رضا الصنفين ، ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبر رضاه معه كما لا يعتبره مع المحيل إذا طلب منه حقه ولم يحل عليه أحدا . وأما داود فحجته ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع والامر على الوجوب ، وبقي المحال عليه على الأصل ، وهو اشتراط اعتبار رضاه . ومن الشروط التي اتفق عليها في الجملة كون ما على المحال عليه مجانسا لما على المحيل قدرا ووصفا ، إلا أن منهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط ومنعها في الطعام ، والذين منعوها في ذلك رأوا أنها من باب الطعام قبل أن يستوفي ، لأنه باع الطعام الذي كان له على غريمه بالطعام الذي كان عليه ، وذلك قبل أن يستوفيه من غريمه ، وأجاز ذلك مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالا . وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز إلا أن يكون الدينان حالين ، وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالا ، ولم يفرق بين ذلك الشافعي ، لأنه كالبيع في ضمان المستقرض وإنما رخص مالك في القرض لأنه يجوز عنده بيع القرض قبل أن يستوفي . وأما أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطعام وشبهها بالدراهم وجعلها خارجة عن الأصول كخروج الحوالة بالدراهم . والمسألة مبنية على أن ما شذ عن الأصول هل يقاس عليه أم لا ؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه ، وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط : أحدها : أن يكون دين المحال حالا ، لأنه إن لم يكن حالا كان دينا بدين . والثاني : أن يكون الدين